هل يستطيع أوباما التخلص من إرث بوش الثقيل؟ سامر الياس

عن موقع روسيا اليوم

 يكشف اختيار الرئيس الأمريكي باراك أوباما لجون كيري وتشاك هاغال عن الخطوط العامة للسياسة الخارجية والدفاعية في الولاية الثانية. ولا يمكن الجزم بأنه في حال موافقة مجلس الشيوخ على المرشحيّن فإن أوباما يخطو بثبات لطي صفحة السياسات الخارجية المتهورة لسلفه جورج بوش نهائيا. فحجم الإرث ثقيل، ومنطقة الشرق الأوسط تغلي، كما أن اختيار جون برنيان لقيادة “CIA” يطرح أسئلة كثيرة. 

ويبدو أن أوباما اختار شخصين معتدلين ممن يحظون بثقته حتى يواصلا العمل معه في السنوات الأربع المقبلة بأقل قدر ممكن من المشكلات مع العالم الخارجي، والتفرغ للأوضاع الداخلية وحل مشكلات الاقتصاد المتعثر. ورغم أن مجلس الأمن القومي الأمريكي هو من يبتُّ في القضايا المصيرية مثل الحروب والسياسة الخارجية، فإن دور وزيري الدفاع والخارجية مهم جدا في آلية اتخاذ القرار عبر تقاريرهما وتقديراتهما للأوضاع.أوباما

وغالبا ما يوصف السيناتور الديمقراطي السابق كيري بالسياسي المعتدل، وهي ذات الصفة للمرشح الثاني لحقيبة الدفاع السيناتور الجمهوري السابق هاغال. وتجمع بين المحاربين القديمين في فيتنام صداقة، رغم اختلاف انتمائهما الحزبي، كما ترشح الرجلان من أجل الوصول إلى البيت الأبيض، وفيما خسر كيري الانتخابات أمام جورج بوش في انتخابات العام 2004، لم يحظ هاغال بثقة الجمهوريين في 2008 عندما اختاروا جون ماكين للتنافس مع أوباما.

هاغال في مواجهة لوبي إسرائيل…

شنت إسرائيل واللوبي التابع لها في واشنطن هجوما كاسحا على اختيار هاغال لقيادة البنتاغون. وركزت الصحافة الأمريكية والإسرائيلية على مواقفه السابقة ما بين عام 1997 و2009 عندما كان عضوا في لجان الخارجية والاستخبارات والمصارف في مجلس الشيوخ. فقد كان من بين السياسيين النادرين الذين انتقدوا عملية إسرائيل العسكرية ضد لبنان في صيف العام 2006، واعتبر أن ردها كان مبالغا فيه، وحملها مسؤولية تساوي مسؤولية حزب الله.

وأعادت وسائل الإعلام التذكير بما جاء في كتابه الصادر في العام 2008 ” أمريكا الفصل المقبل” والذي أوصى فيه صناع القرار في بلاده بتبني سياسة مستقلة، في إشارة إلى ضرورة الانعتاق من تحكم لوبي إسرائيل.

 وأشارت صحيفة “إسرائيل اليوم” إلى تصريحات هاغال عندما قال “لست سيناتورا إسرائيليا، أنا سيناتور أمريكي” ردا على القول بأن الهجوم على إيران يساعد في الدفاع عن إسرائيل.

وانتقد رئيس الكنيست الإسرائيلي رؤوفين ريفلين هاغال لتولي وزارة الدفاع الاميركية، معتبرا أن ذلك يشكل مصدر قلق لتل ابيب. وذهب رفيلين إلى أن “تعيين هاغل لا يؤثر فقط على إسرائيل بل على التوازن الاستراتيجي العالمي كله، ورأى أن نظرية العزلة المريحة التي ينادي بها هاغل ستغير استراتيجية الولايات المتحدة في العالم.

هاغال أكد، بعد عاصفة الانتقادات، “دعمه الكامل” لإسرائيل. وقال في تصريحات لصحيفة محلية في ولاية نيبراسكا “ليس هناك أي دليل على انني مناهض لإسرائيل”. وأوضح هاغال أنه لم يصوت مع بعض القرارات التي تدعمها منظمات مؤيدة لإسرائيل لانها كانت ستأتي “بنتائج معاكسة”. وشدد مرة أخرى على أن “ما يصب في مصلحة إسرائيل هو أن تتم مساعدة إسرائيل والفلسطينيين في ايجاد طريقة سلمية للعيش معا”.  ولم يخفف تأكيد هاغال التزامه بأمن إسرائيل من حدة الحملة الشرسة التي تستهدفه.

ترحيب إيراني…

أعربت ايران عن أملها في أن يحدث تعيين هاغل وزيرا للدفاع تغييراً عملياً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية رامين مهمانبرست إن طهران تأمل في أن تبدي واشنطن في سياساتها احتراما أكبر لحقوق الشعوب لاسيما الشعب الايراني للتقليل من الكراهية للسياسات الأمريكية المبنية على التدخل في شؤون الاخرين. ودعا مهمانبرست المسؤولين الامريكيين إلى اعتماد النهج الدبلوماسي لتحقيق الأمن بدلا من الحروب.

الترحيب الإيراني يعود إلى ما عرف عن انتماء هاغال إلى المدرسة البراغماتية في السياسة الخارجية والدفاعية، إضافة إلى مواقف سابقة أطلقها بأن “الخيار العسكري ضد إيران غير مسؤول”، ومعارضته أي عقوبات على إيران.

قلق من اختيار كيري، فقبول على مضض…

وفي مقابل الهجمة الكبيرة على هاغال فإن نصيب جون كيري كان أقل بكثير، فالساسة الإسرائيليون أعربوا عن قلقهم من مواقف كيري المعارضة للإستيطان، لكن بنيامين نتنياهو سرعان ما حسم الموضوع بالتأكيد على أن كيري صديق لإسرائيل، وهو أمر لا يختلف عليه الإسرائيليون، لكن بعضهم يشير إلى أنه “صحيح ان كيري يعتبر صديقا لاسرائيل، لكنه ليس كغيره من الامريكيين الذين يظهرون مواقفهم الداعمة والمتضامنة مع اسرائيل في مجلس الشيوخ. إذ أن مواقفه في القضية الفلسطنية واضحة ضد السياسة الإسرائيلية فيما انتقاداته للاستيطان حادة جدا”.

مهمات جسام…

ورغم أن اختيار أوباما وقع على معتدلين جمهوري، وآخر ديمقراطي معروفين بمواقفهم الوسطية في القضايا التي تواجهها السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، فإن هذا لا يعني أن مهمتهما سوف تكون أسهل. وأنهما سوف ينخرطان مباشرة في تنفيذ الاستراتيجية الجديدة القاضية بتعزيز دور أمريكا في شرق آسيا والمحيط الهادي لاحتواء تمدد العملاق الصيني.

وتقع على كاهل الرجلين مسؤولية كبيرة في التعامل مع طيف واسع ومعقد من القضايا فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي، وصعود حركات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية، والبرنامج النووي الإيراني، كما يتعين على هاغال وكيري الترتيب النهائي لعملية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، إضافة إلى قضايا لا تقل أهمية مثل الملف السوري، والمحافظة على الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط.

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

ولن يشكل عدم النجاح في دفع التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتوصل إلى حلول مشكلة حقيقية للرئيس أوباما، فهو سادس رئيس أمريكي يعجز في العقود الأخيرة عن حل هذه الأزمة. لكن جنوح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين والتوقعات بزيادة نفوذ الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة سوف يؤدي إلى خلافات علنية بين الرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية لكنه لن يصل إلى حد التصادم أو قطع المساعدات عن إسرائيل، وربما لن يكون أوباما وإدارته معنيين، أو قادرين، على ممارسة ضغوط على القيادة الإسرائيلية في ظل وجود لوبي قوي لا يميز بين ضرورة دعم الحلفاء والأخذ بمصالح الأصدقاء، ومراعاة المصالح القومية للولايات المتحدة أولا. وشكل الهجوم الإسرائيلي على المرشحين “حماما ساخنا” سيتبعه “حمام” آخر في جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ يذكّرهما بأن إسرائيل سوف تبقى خطا أحمر إلى حين. ورغم ذلك فإن وقوف  كيري وهاغال ضد محاولات تقويض السلطة بالكامل ربما شكل مصلحة استراتيجية لبقاء إسرائيل، ومنع اليمين المتطرف من تنفيذ تهديداته بإزالة السلطة الفلسطينية بما يعنيه من مخاطر على وجود إسرائيل ذاتها.

إيران والعتبة النووية

وربما تمحور الخلاف الأساسي بين الدولة العبرية وواشنطن حول البرنامج النووي الإيراني خصوصا في ظل اختلاف تقديرات الطرفين للخط الأحمر الذي يجب ألا تتخطاه إيران. وفي هذا الإطار فإن موقف واشنطن صعب للغاية خصوصا أن الولايات المتحدة طالما التزمت بمنع طهران من تخطي العتبة النووية. ومن الطبيعي ألا يرغب أوباما في أن يسجل التاريخ أن إيران امتلكت السلاح النووي في عهده، لكنه يحتاج مساعدة الجمهورية الإسلامية على أبواب الانسحاب من أفغانستان، وفي المحافظة على حليفها نوري المالكي في بغداد، كما أنها تدرك الدور الكبير لإيران في سورية ولبنان، وعدة مناطق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فيما قد ينفذ بنيامين نتنياهو القادم، حسب الترجيحات، على رأس تحالف يميني متطرف  تهديداته، ويقدم على توجيه ضربة تورط الولايات المتحدة في نزاع مسلح لا ترغب فيه. وفي ذات الوقت فإن واشنطن تتعرض لضغوط من حلفائها في الخليج من أجل وضع حدٍّ للمشروع النووي الإيراني بأي شكل من الأشكال.

التدخل العسكري وارد رغم مآسي العراق وأفغانستان

 في الأشهر الأخيرة لوح الرئيس باراك أوباما بأن السلاح الكيماوي خط أحمر يجب ألا يستخدمه الرئيس السوري بشار الأسد في الصراع مع  شعبه ومعارضيه أو اي أطراف خارجية. ويتضح من اختيار مرشحين وسطيين أن أوباما يرغب في تسريع تبني استراتيجية تعتمد على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، والحد من  التدخل المباشر بعد دروس أفغانستان والعراق. ويواجه الرئيس ومرشحيّه تحديا كبيرا في حال استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية، أو خروج الأمور عن السيطرة في حال انهيار مفاجئ للنظام، وتصاعد المخاوف من استيلاء الجهاديين على هذه الأسلحة.

ولا تشكل سورية الاستثناء الوحيد الذي يزعج الإدارة الأمريكية، فزيادة نشاط المجموعات الجهادية في شبه جزيرة سيناء وليبيا واليمن تمثل مخاطر قد تضطر معها واشنطن إلى توجيه ضربات جوية أو صاروخية، أو حتى التدخل المباشر في حال تنفيذ هجمات ضخمة، أو غير متوقعة.

صعوبة التخلص من إرث بوش….

تنتشر القوات الأمريكية في نحو مئة  دولة في العالم، ومازالت صورة الولايات المتحدة سيئة في العالم، رغم مرور أربع سنوات على مغادرة بوش البيت الأبيض، والخطابات والخطوات التي اتخذها أوباما. ويسعى الرئيس في ولايته الثانية إلى معالجة مشكلات الاقتصاد، وتقليص الموازنة الدفاعية الضخمة عقب حروب أدخلت الولايات المتحدة والعالم في أزمة اقتصادية عميقة منذ العام 2008. ومن غير المستبعد تخطي لوبي إسرائيل وتمرير ترشيح كيري وهاغال فإن لوبي الصناعات العسكرية والنفطية سيواصل ضغوطه على الإدارة الجديدة حتى لا تتأثر مصالحه. ولعل الأهم أنه من الصعب تجاوز حجم الإرث الثقيل لحروب بوش الكونية، ولا ننسى أنه في مقابل اختيار هاغال وكيري “الوسطيين” فإن أوباما رشح جون برنيان لإدارة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA”. ومن المعروف أن الرجل كان عرابا لعمليات التنصت، ودعم عمليات الاختطاف ووافق على تعذيب المعتقلين في غوانتنامو بوسيلة “الإيهام بالغرق” وغيرها، كما أنه يؤيد عمليات الطيارات بدون طيار والتي تسقط مزيدا من المدنيين في باكستان واليمن وأفغانستان وربما يستخدم ذات الأسلوب في بلدان أخرى.

وإضافة إلى كل ما سبق فإن برنيان عمل لأكثر من ربع قرن في قضايا الشرق الأوسط، ما يعني أن أوباما لم يقطع مع وسائل سلفه بوش ولن يستطيع الخروج بسهولة من مشكلات الشرق الأوسط، خصوصا أنها مرشحة للتفاقم بما يشكل تهديدا للأمن العالمي.

سامر الياس

انشر تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s