كان الفيلسوف وتلميذه يتجولان صباحا بين الحقول، حينها، شاهدا (فردتي) حذاء قديمتين مركونتين على قارعة الطريق، وتوقعا أنهما يخصان على ما يبدو الرجل الفقير الذي يعمل في أحد الحقول القريبة، والذي يبدو أنه على وشك الانتهاء من عمله.
.
التفت التلميذ الى الفيلسوف وقال له: دعنا نلهو قليلا مع هذا الرجل، ونمازحه بأن نخفي حذاءه، ثم نختبئ خلف الشجيرات، وننتظر لنرى مدى حيرته عندما لا يجد الحذاء.
.
أجاب الفيلسوف: صديقي الصغير، لا يجب أن نسلي أنفسنا أبدا على حساب الفقراء، وبدلا من هذا فأنت تلميذ غني، ويمكن أن تعطى نفسك متعة أكثر من خلال هذا الرجل الفقير، هيا ضع عملة معدنية (ذهبية) في كلا الفردتين من الحذاء، ثم دعنا نختبئ ونراقب ملامحه وما الذي سيطرأ عليه.
.
واستجاب التلميذ لما أمره به الفيلسوف، فوضع قطعتين ذهبيتين في كل فردة من الحذاء قطعة، ثم ذهبا للاختباء خلف الشجيرات القريبة بحيث لا يراهما العامل عند قدومه، وأخذا يرقبان الموقف، حيث سرعان ما انتهى الرجل الفقير من عمله، وعاد إلى حيث ترك حذاءه ومعطفه.
.

.
وبينما أخذ الرجل الفقير بارتداء معطفه، دفع بإحدى قدميه في فردة الحذاء الأولى، وعندما احس بشيء صلب بداخل الحذاء، تمهل، وانحنى ليتفحص حذاءه. وعندها، وجد القطعة الذهبية. بدأت علامات الاندهاش والتعجب ظاهرة على سمات وجهه، وتبحلق في القطعة الذهبية وهو يقلبها يمنة ويسرة، ثم أدارها، وأعاد النظر اليها مرات ومرات.

وبعد حيرة تبدو طويلة، التفت حوله ولم يجد أحدا. ووضع القطعة الذهبية في جيبه، وعندما وضع قدمه الأخرى في الفردة الثانية من الحذاء. تفاجأ أيضا بوجود قطعة ذهبية أخرى.
.
في هذه اللحظات.. انتابه شعور غريب، جعل الرجل يجثو على ركبتيه، ورفع نظره إلى السماء وابتهل بصوت عال معبرا عن شكره الجزيل لرب العالمين، الذى يعلم وحده مدى مرض زوجته التي لم يكن لها من يعينها أو يساعدها، ولا أحد يعلم بأحوال أطفاله الذين تركهم بلا خبز، وأخذ صوته يرتفع بالشكر لله الذى أرسل له هذه النقود من حيث لا يعلم، وكيف أنها ستعينه على تخفيف وطأة البرد القارس على أسرته.
.
لقد تأثر التلميذ كثيرا بهذا الموقف وهذا المشهد، واغرورقت عيناه بالدموع.
.

.
وهنا.. جاء دور الفيلسوف ليقول للتلميذ: ألا تشعر بسعادة أكثر مما كنت ستشعر به لو سخرت من هذا الرجل كما كنت تريد؟
.
أجاب التلميذ الشاب: “لقد علمتني درساً لن انساه ما حييت، لقد أحسست الآن بصدق الكلمات التي لم أفهمها أبدا من قبل.. إنه لأكثر بهجة أن تعطى من أن تأخذ”.
اكتشاف المزيد من خالد الشريعة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع