بين حروف العطف.. مصيرنا يتقهقر

هل أنت مع حرف (و) أم مع حرف (أو)

بين حروف العطف.. مصيرنا يتقهقر

لم يكن لوصايا القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أي صدىً في قلوب كثير من العرب اليوم. بل أخذتهم العزة بالكبر والتفاخر حتى أضحى أحدهم لا يرى سواه..

لقد حثنا القرآن الكريم على التمسك بوحدتنا المجتمعية والأسرية إذ قال: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”  وقال: “وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون” وجاءت سورة الحجرات لتضع أسس العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبين الجماعات الإسلامية، وكل ذلك لتعزيز الوحدة والتعاون بين المسلمين..

دعك من هذه المقدمة، ولنتجاوز كتب التاريخ كلها، ولنلق نظرة تمحيص إلى واقعنا، ابتداء من الفرد من انتهاء بالكيانات السياسية..

لقد نجم عن المبالغة في الخصوصية، والتفكير الفردي التي بدأت بالانتشار مع ثورة الاتصالات الحالية، إلى تعميق مفهوم الأنانية والأحادية في نفوس الكثير من الناس سواء كانوا عربا ومسلمين أو غير ذلك، وقد برز هذا المفهوم ونما على حساب مفاهيم وقيم أخرى كالتعاون والإيثار والفزعة وغيرها  من القيم التي كانت سائدة في المنطقة العربية في ما مضى، وهذا الخصوصية أو الأحادية تقتضي مقولة (ليس لك دخل في شؤوني) أو (أنا أعرف أن أدير شؤوني بنفسي) في إشارة إلى: “إنني لست بحاجة لك أو لخدماتك أو مساعدتك”..

يقول بعض المفكرين: إن الغرب يفكرون وينفذون ويعيشون بطريقة فردية، بينما يصفوا اليابانيين بأنهم يفكرون وينفذون ويعيشون بطريقة جماعية، أما بالنسبة للعرب فهم ليسوا كذلك فهم ليسوا فرديين ولا جماعيين إنهم  يفكرون بطريقة جماعية وينفذون بطريقة فردية، ويكون فردا واحدا أو قلة من الأفراد هم المسؤولون عن الفشل، في حين أن النجاح ينسب إلى البقية، لكن هذا النجاح سيكون من المحال تحقيقه في ظل الاتكالية وعدم الاهتمام الجاد والفعّال..

بعد أن غزت (الحضارة المدنية) معظم التجمعات السكانية العربية ونشأت المدن بمفهومها المعاصر، أخذت الروابط الاجتماعية بالانحسار والتراجع حتى كادت تتلاشى،  ومع اتساع القرى والأرياف طالها من ذلك ما طال المدن وانحسرت حاجة الناس بجيرانهم، وكذلك انحسرت حاجة المزارعين لمساعدة وفزعة المزارعين الآخرين الذين لم يحن موسم عملهم، فيتقايضون المساعدة لدرجة إيثار بعضهم على أنفسهم.

ليت ذلك توقف عند هذه النقطة (غزو الحضارة المدنية)، بل تجاوز المفاهيم إلى نقيضاتها، فأصبح التعاون والإيثار والفزعة تشبه العار، ومن يتمسك بها شأنه شأن الرجعيين في الاعتقاد والإيمان والتدين.. فرأينا أن الإنسان خرج عن إنسانيته ولم يعد يتقبل مفهوم الطرف الآخر أو الجلوس على طاولة الحوار معه رغم أن هناك الكثير من القضايا التي تتطلب التعاون والتواصل والشراكة.

ربما كان لأحادية القطبية وتركزها في الولايات المتحدة دور في ذلك، لكن القطبية الواحدة تتعارض تماما مع مفهوم العولمة الذي أزال كل القطبيات وجعل العالم كله صفحة واحدة في ميدان واسع ومفتوح للمبارزة والتنافس وربما الصراع غير العسكري وربما يصل إلى الصراع العسكري بموجب مناطق النفوذ التسويقية.. وهنا لا يمكننا الجزم بأن العولمة أو القطب الواحد لها دور بارز في تشكيل وتعزيز مفهوم الأنانية الفردية أو الجماعية أو حتى المجتمعية..

إن سر اختياري عنوان هذا الموضوع هو التمييز بين حرف واو العطف التي تجمع بين عناصر متشابهة أو غير متشابهة في بوتقة واحدة، وبين حرف (أو) الذي يجعلنا نختار عنصرا حصريا دون غيره من العناصر أو المكونات والأجزاء الأخرى، فقولنا: سأشتري كتابا أو قرصا مضغوطا، يختلف تماما عن قولنا: سأشتري كتابا وقرصا مضغوطاً، فالثاني يجمع والأول يفرق..

من خلال ما تقدم، نجد أننا كأفراد وجماعات تعيش في الكيانات العربية المترامية بدأن بالعزوف عن حرف الواو الجامعة، والتجأنا إلى حرف (أو) النازعة، وهذا بالطبع ينصب على الآراء والولاءات والأيدولوجيات والتأييد وغيرها..

هذا الحرف (أو) النازع دفعنا إلى تكوين صديق وهمي أو ربما مؤقت، مقابل تكوين عدو آخر وهمي أو مؤقت، هذا العدو والصديق تتحدد هويته عند كل حدث، حسب الشخص أو المجموعة أو الحزب أو الجماعة، حيث تتحول رؤية الأخر من صديق إلى عدو إلى حليف بين الحين والآخر وذلك بموجب موقفه من الحدث الذي يهمنا، وبمعنى آخر، فإننا نعتبر أن رأينا أو موقفنا رأي وموقف مقدَّس، وعلى الآخرين الاعتقاد والإيمان به والعمل بموجبه، بينما آراء الآخرين ومواقفهم هي مواقف تابعة تتأثر بموقفنا بالتأييد أو الموافقة وهنا يبدأ تشكيل صورة الآخر على أنه عدو أو صديق، لدرجة أن أحداثاً كثيرة متقاربة زمانيا ومكانيا تتباين فيها المواقف، ننظر فيها إلى الآخر على أنه عدو في لحظة أو صديق في لحظة أخرى.. فالأحكام جاهزة، ووسائل الإعلام متأهبة للاتهام أو التمجيد والأتباع متعطشون لالتقاط أي تصريح..

إن أكثر من أجاد استخدام هذا المفهوم هو الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، حيث اعتبر كل من يتوافق مع (الموقف الأمريكي) صديقاً للولايات المتحدة، وكل من لا يتوافق مع مواقفها عدوا لها، ولا مكان للحياد ولا للحوار، وهذا الموقف انتقل تدريجيا إلى الأمة العربية أفرادا وجماعات وأنظمة.

لذا، فإن عملية الانتقال بين حرف (و) الجامع و(أو) النازع هي عملية صعبة وليست بالسهلة، خاصة في حالة الانتقال من (أو إلى و) وهنا تشبه عملية التراجع عن (الإقصاء) أو استبعاد الآخر للتحالف معه، فعملية التصالح مع من قمنا بإقصائه أكثر صعوبة من عملية إقصاء من كنا متحالفين معه، وهذا يعني أن أمامنا مزيد من التمزق في المجتمع والانقسام في وحداته لكثرة الأحداث وسهولة التعرف على مواقف جميع الأطراف وتصنيفها، مقابل صعوبة في لملمة المجتمع وتوحيد جهوده في حال تعذر تقديم تنازلات للتوافق..

إنه حرف (أو) الذي قسّم الكل، وفرّق المجموعات، وشتت الجهود، وهدر طاقات أبناء الأمة لا بد أن نستأصله من معتقداتنا الكفرية وإحلال حرف (و) الذي من شأنه جمع الشتات والفرقاء على أهداف مجتمعية كبرى تحقق للجميع التقدم والرقي، ولا يكون ذلك إلا من خلال تعزيز مبدأ الحوار الهادئ، واحترم رأي الطرف الآخر، وإعطاء المجتمع فرصة لتقييم الآراء واختيار الأفضل منها دون اللجوء إلى الإقصاء والاستبعاد أو التجييش.

لم يعد أمامنا سوى أن نجعل من ذاتي وذاتك أصدقاء مهما اختلف آراؤنا وتوجهاتنا، ومهما اختلفت دياناتنا وعشائرنا، ومهما اختلفت قيمنا ومبادئنا فلا بد من وجود أرضية تحتوي الجميع بود ورضا، فلا وطن بلا كلينا، ولا سلام إلا برضانا، ولا أمن إلا بسواعدنا (معا معا) و(يداً بيد) وهنا لا بد من وجود أطراف أخرى تعمل على جمع المتخاصمين وإيجاد روابط ومفاهيم مشتركة مسلم بها لدى الجميع ابتداء من أفراد المجتمع وانتهاء بقادته في شتى المجالات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية..

لا بد لنا من بعث الحياة في حرف الواو ليجمعنا، ولا بد من وضع حدود لحرف (أو) الذي يتخير في ما بيننا؛ ليبقى حرف عطف لغوي لا يتجاوز وظيفته.

انشر تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s