هل التخطيط مهم في المنظمات غير الربحية؟


هل التخطيط مهم في المنظمات غير الربحية؟.

في كل مرة أدخل فيها إلى منظمة غير ربحية بصفتي خبيرا في التخطيط والأداء، يتكرر أمامي المشهد ذاته: فريق متحمس، رسالة نبيلة، وموارد محدودة تستهلك في أنشطة متفرقة لا تصب في اتجاه واحد، وحين أسأل “أين خطتكم الاستراتيجية؟”، يأتي الجواب غالبا بابتسامة متكلفة أو بوثيقة قديمة نسيت في أحد الأدراج منذ توقيعها..

هذا المشهد المتكرر يقودني في كل مرة إلى السؤال ذاته: هل التخطيط فعلا مهم في المنظمات غير الربحية، أم أنه ترف إداري يمكن الاستغناء عنه أمام إلحاح العمل الميداني والاحتياجات الطارئة؟ الإجابة، بحكم الخبرة والممارسة، حاسمة: التخطيط ليس مهما فحسب، بل هو خط الفصل بين منظمة تنمو وتستدام، وأخرى تراوح مكانها حتى تذوب أو تتلاشى..

المنظمات غير الربحية، بخلاف القطاع الخاص، لا تملك رقيبا صارما اسمه (السوق) يعاقبها فورا على سوء الإدارة عبر خسارة الأرباح، فالمنظمة قد تستمر سنوات وهي تعمل بلا وجهة واضحة، تعيش على التمويل المتقطع وحماس المتطوعين، دون أن يظهر الخلل بشكل صارخ. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: غياب التخطيط لا يعني غياب النتائج فقط، بل يعني تراكم الجهد دون تراكم الأثر.

فالمنظمة التي تعمل بلا خطة تشبه سفينة تبحر بمحرك قوي لكن بلا بوصلة؛ تستهلك الوقود، ويتعب الطاقم، وفي الوقت نفسه لا تصل إلى أي ميناء بعينه.. التخطيط هنا ليس وثيقة أو شهادة تعلق على الجدار، بل هو أداة تحويل رسالة المنظمة إلى أهداف قابلة للقياس، وبرامج قابلة للتنفيذ، ومؤشرات يمكن محاسبة الجميع عليها.

من الناحية العملية، يؤدي التخطيط الاستراتيجي وظيفة جوهرية تتمثل في توحيد البوصلة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والفرق الميدانية والمتطوعين والمانحين. فحين تجلس هذه الأطراف المتعددة، بخلفياتها وأولوياتها المتنوعة حول طاولة واحدة لصياغة رؤية مشتركة وأهداف استراتيجية متفق عليها، فإن ذلك يقلل بشكل جذري من التضارب في القرارات، ويمنع تشتت الجهود والموارد بين مبادرات متناقضة أو متكررة.

كثيرا ما شاهدت منظمات تنفق سنويا على مشاريع متشابهة تتنافس فيما بينها على الموارد نفسها، لا لسوء نية، بل لغياب إطار تخطيطي يوجه القرار ويحدد الأولويات. فالتخطيط إذن ليس عبئا بيروقراطيا بحد ذاته، بل هو آلية لتوفير الوقت والمال والجهد عبر منع الازدواجية والتشتت وتقليل القرارات الارتجالية والعشوائية.

وللتخطيط بعد آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو علاقته المباشرة بـالاستدامة المالية والمصداقية المؤسسية. فالمانحون والجهات الداعمة، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات حكومية أو خاصة، لم يعد يكفيهم حسن النية أو القصص الإنسانية المؤثرة؛ بل باتوا يبحثون عن دليل واضح على أن المنظمة تعرف إلى أين تتجه، وكيف ستقيس نجاحها، وكيف ستدير أموالهم برشد ووعي.

إن الخطة الاستراتيجية المدروسة، المصحوبة بخطط تشغيلية وموازنات واضحة، هي لغة الثقة التي يفهمها الممولون والداعمون، وقد لاحظت في أكثر من تجربة استشارية أن المنظمات التي طورت خططا استراتيجية متماسكة استطاعت أن تفتح أبوابا تمويلية جديدة، وأن تتفاوض بندية أكبر مع الشركاء، لأنها تقدم نفسها كجهة تدار بمنهجية لا بردود أفعال، أما المنظمات التي تفتقر إلى هذا الإطار، فغالبا ما تجد نفسها أسيرة أولويات الممول مثلا بدلا من أن تكون هي من يحدد أولوياتها بثقة ويبحث عن الشريك المناسب لرسالتها.

وبالقدر ذاته من الأهمية، يبرز دور #التخطيط في تمكين المنظمة من امتلاك قدرة مؤسسية حقيقية على القياس والتعلم، فحين تغيب الأهداف المحددة ومؤشرات الأداء الواضحة منذ البداية، يتحول التقييم لاحقا إلى محاولة عبثية لقياس رحلة لم ترسم وجهتها أصلًا: فكيف يمكن الحكم على النجاح إن لم نكن نعرف سلفا ما الذي كنا نسعى إلى تحقيقه؟ التخطيط الرصين، منذ لحظته الأولى يتضمن إطار متكاملا للرصد والتقييم، حيث يمنح المنظمة القدرة على استخلاص الدروس من تجربتها الفعلية، وتصويب مسارها بوعي بدل الاستمرار في تكرار الإخفاقات ذاتها موسما بعد آخر..

إن هذه الثقافة التعلمية، المستندة إلى الأدلة والبيانات – البعيدة عن الانطباعات والحدس – هي ما يفصل بدقة بين المنظمات الناضجة التي تنمو بوعي، وتلك التي تظل حبيسة حلقة مغلقة من ردود الأفعال المتكررة، ويضاف إلى ذلك أن التخطيط يزوّد القيادة بأداة موضوعية لمحاسبة الفرق ومساءلتها، وتقدير جهودها ومكافأتها، وكل ذلك بمنأى عن الأحكام الشخصية أو اعتبارات الولاء، وهو ما يرسخ العدالة الداخلية ويرفع من روح الفريق الواحد..

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى التخطيط في #المنظمات_غير_الربحية باعتباره خطوة إجرائية توضع لإرضاء ممول أو لملء فراغ في تقرير سنوي، بل ينبغي أن ينظر إليه كاستثمار استراتيجي حقيقي في مستقبل المنظمة ذاتها..

إن المنظمات التي تنجح وتستمر ويتسع أثرها مع الوقت، ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر قدر من الموارد، بل تلك التي تحسن توظيف مواردها المحدودة بذكاء في خدمة غاية واضحة المعالم. وبصفتي خبيرا في بناء القدرات المؤسسية، أرى أن أعظم هدية يمكن أن تقدمها أي منظمة غير ربحية لرسالتها، ولمستفيديها، وللمجتمع الذي تخدمه، هي أن تتوقف قليلا عن الانغماس في تفاصيل العمل اليومي، وتخصّص وقتا كافيا للتفكير في الطريقة الأمثل لأداء هذا العمل..

فالتخطيط، في نهاية المطاف، ليس نقيضا للعمل الميداني ولا بديلا عنه، بل هو الجسر الذي يربط بين الجهد المبذول والأثر المنشود، فيجعل ذلك العمل أكثر فاعلية، وأطول بقاء، وأصدق ما يعبر عن الرسالة التي قامت المنظمة من أجلها في الأساس..


اكتشاف المزيد من خالد الشريعة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع

ابدأ مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑