تعدد الفئات… يذيب أثر الجمعيات

تعدد الفئات… يذيب الأثر..

تسعى كل منظمة غير ربحية إلى إحداث أثر مجتمعي ملموس، إلا أن بعض المنظمات تقع في خطأ استراتيجي شائع يتمثل في التوسع غير المدروس في الفئات المستهدفة. فبدلا من التركيز على فئة محددة وإحداث تغيير حقيقي في واقعها، تتجه إلى خدمة الجميع؛ الأطفال والشباب والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة والمرضى والأسر والطلاب والموظفين… حتى تصبح المنظمة منشغلة بإدارة برامج متفرقة أكثر من انشغالها بتحقيق رسالتها.


إن تعدد الفئات المستهدفة ليس إنجازا في حد ذاته، بل قد يكون مؤشرا على غياب التركيز الاستراتيجي؛ فكل فئة لها احتياجاتها الخاصة، وبرامجها، وآليات قياس أثرها، وشركاؤها، ومؤشرات أدائها، وكفاءاتها البشرية، ومواردها المالية، وكلما زادت الفئات المستهدفة، زادت درجة التعقيد الإداري، وتشتت الجهود، وارتفعت التكاليف، وانخفضت القدرة على تحقيق نتائج عميقة ومستدامة.


ولهذا تؤكد الممارسات الحديثة في التخطيط الاستراتيجي أن المنظمة الأكثر تأثيرا هي التي تعرف بدقة من تخدم، ولماذا تخدمه، وكيف تقيس التغيير الذي أحدثته، فالتركيز يولد الخبرة، والخبرة ترفع جودة الخدمات، والجودة تعزز الثقة، والثقة تجذب الشركاء والداعمين، لتدخل المنظمة في دائرة إيجابية من النمو والأثر المستدام.


ولا يعني ذلك أن المنظمة غير الربحية يجب أن تخدم فئة واحدة فقط، وإنما أن يكون اختيار الفئات المستهدفة مبنيا على رسالتها، ورؤيتها، وأهدافها من جهة، وقدراتها، ومواردها، والأولويات التنموية في المجتمع من جهة أخرى، فإذا تعددت الفئات، فينبغي أن يجمعها رابط استراتيجي واضح يخدم قضية واحدة، لا أن تكون مجرد استجابة لفرص تمويل أو مبادرات مؤقتة.


فالمنظمة التي تعمل في مجال مكافحة السرطان – على سبيل المثال – قد تخدم المرضى، وأسرهم، والمتطوعين، والممارسين الصحيين، والمتبرعين، لكن جميع هذه الفئات ترتبط بهدف استراتيجي واحد هو تحسين رحلة المريض وتعظيم الأثر الصحي والمجتمعي، أما المنظمة التي تنتقل من التعليم إلى البيئة، ثم إلى الإسكان، ثم إلى التدريب، دون إطار استراتيجي جامع، فإنها غالبا ما تفقد هويتها المؤسسية ويصعب عليها إثبات أثرها.


وفي عصر نظم إدارة الجودة وقياس الأثر والتميز المؤسسي، لم يعد السؤال: كم فئة تخدم؟ بل أصبح السؤال الأهم هو: ما حجم التغيير الذي أحدثته في الفئات التي اخترت خدمتها؟ فالمنظمات الناجحة لا تُقاس باتساع نطاق عملها، وإنما بعمق أثرها، ووضوح رسالتها، وتركيزها على ما تجيده، وقدرتها على تحقيق نتائج مستدامة يمكن قياسها وإثباتها.


وبناء على ذلك، إن وضوح الفئة المستهدفة ليس قيدا على المنظمة، بل هو أحد أهم أسرار نجاحها، فكلما زاد التركيز، زادت الكفاءة، وتحسنت جودة الخدمات، وتعاظم الأثر المجتمعي، وأصبحت المنظمة أكثر قدرة على تحقيق رسالتها واستدامة نجاحها.


اكتشاف المزيد من خالد الشريعة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع

ابدأ مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑