الرسالة… لماذا تبدأ بها المنظمات الناجحة؟

الرسالة… لماذا تبدأ بها المنظمات الناجحة؟

تبدأ قصة كل منظمة غير ربحية بفكرة، لكن نجاحها واستدامتها يعتمدان على وضوح الرسالة التي تحدد سبب وجودها واتجاه عملها. وخلال عملي مستشارا في التخطيط الاستراتيجي لعدد من المنظمات غير الربحية والجهات المانحة، لاحظت أن أول سؤال يطرحه الممولون، وأول ما يبحث عنه المقيمون في جوائز التميز، ليس حجم الميزانية ولا عدد المبادرات، وإنما: ما القضية التي وجدت هذه المنظمة لمعالجتها؟ فإذا لم تستطع المنظمة الإجابة عنه بوضوح واتساق، فإن بقية عناصر المنظومة الاستراتيجية تفقد اتساقها، ويصبح من الصعب بناء برامج متسقة أو قياس أثر حقيقي. ولهذا تُعد الرسالة نقطة الانطلاق التي تحدد هوية المنظمة، وتوجه قراراتها، وترسم حدود عملها.

وخلال إحدى جلسات النقاش مع صديق عزيز، روى لي تجربة لا تزال عالقة في ذاكرته منذ طفولته. فقد مرت أسرته بظروف صعبة دفعتها إلى طلب المساعدة من عدد من الجمعيات الخيرية. قال لي: “لم نكن نسأل عن أشهر جمعية أو أكبرها، بل كنا نبحث عن الجمعية التي أُنشئت أصلًا لمساعدة أسر مثل أسرتنا.” وأضاف أن إحدى الجمعيات استجابت لطلبهم بسرعة، لأنها كانت تعمل ضمن رسالة واضحة وبرامج موجهة بدقة لهذه الفئة، بينما اعتذرت جمعيات أخرى بكل احترام، ليس لغياب الرغبة في المساعدة، وإنما لأن خدماتها لم تكن مخصصة لذلك الاحتياج. عندها أدركت أن الرسالة الحقيقية لا تختبر في الوثائق، بل في قدرة المنظمة على توجيه مواردها وخدماتها إلى الفئة التي التزمت بخدمتها، دون أن تفقد تركيزها أو تتجاوز نطاق اختصاصها.

ومن الناحية العلمية، تعرّف الأدبيات الإدارية الرسالة (Mission) بأنها بيان يحدد الغرض الأساسي من وجود المنظمة، والفئات المستفيدة التي تستهدفها، والقيمة التي تقدمها للمجتمع، والنهج الذي تتبعه لتحقيق أثرها. كما أن الأدلة الإرشادية الصادرة عن مجموعة بريدجسبان للاستشارات غير الربحية (Bridgespan Group)، ومؤسسة بورد سورس لحوكمة مجالس الإدارة (BoardSource)، إلى جانب الممارسات المؤسسية التي تتبناها منظمات عالمية رائدة مثل منظمة الحفاظ على الطبيعة (The Nature Conservancy)، تؤكد أن الرسالة تمثل حجر الأساس في بناء المنظومة الاستراتيجية للمنظمة؛ فمنها تستمد الرؤية، وتصاغ الأهداف الاستراتيجية، وتبنى البرامج والمشروعات، وتحدد مؤشرات الأداء التي تقيس مدى تحقيق الأثر. ولهذا فإن أي قصور في صياغة الرسالة، أو غموض في مضمونها، أو اتساع مفرط في نطاقها، سينعكس بصورة مباشرة على جودة التخطيط، وكفاءة تخصيص الموارد، واتساق القرارات، وقدرة المنظمة على تحقيق رسالتها وإثبات أثرها أمام أصحاب المصلحة والجهات المانحة.

وتظهر أهمية الرسالة عندما تبدأ المنظمة في اتخاذ قراراتها اليومية، فعندما تعرض فرصة تمويل جديدة، أو يقترح أحد أصحاب المصلحة أو أحد الممولين إطلاق مشروع مختلف، أو يطالب المجتمع بإضافة خدمات جديدة، تكون الرسالة هي المعيار الذي يحدد القبول أو الرفض، فالمنظمة التي تملك رسالة واضحة لا تسأل: “هل يوجد تمويل؟”، وإنما تسأل أولا: “هل يخدم هذا المشروع رسالتنا؟”. أما المنظمة التي لا تمتلك رسالة دقيقة، فإنها تتحول تدريجيا إلى منفذ لأي مشروع ممول، فتتعدد خدماتها، وتتشتت مواردها، ويصبح من الصعب قياس أثرها الحقيقي.

ولعل أفضل الأمثلة على الرسائل الناجحة هي المنظمات التي بنت جميع خدماتها حول قضية مجتمعية واحدة محددة، حتى أصبحت جميع خدماتها امتدادًا طبيعيًا لرسالتها. فعلى سبيل المثال، فإن جمعية متخصصة في دعم مرضى السرطان قد تصوغ رسالتها على النحو الآتي: “تحسين جودة حياة مرضى السرطان وأسرهم من خلال تقديم خدمات صحية ونفسية واجتماعية متكاملة.” وبناء على هذه الرسالة، تتكامل جميع خدماتها؛ كالتوعية، والدعم النفسي، والنقل، والمساعدات العلاجية، والإرشاد الأسري، لتخدم الغاية ذاتها دون تشتت أو خروج عن نطاق اختصاصها.

ولا يقتصر هذا المبدأ على الجمعيات الصحية، بل نجده أيضا في منظمات عالمية تعمل في مجالات مختلفة، فمثلا منظمة تشاريتي ووتر (charity: water)، التي حصرت رسالتها في توفير مياه شرب نظيفة وآمنة للمجتمعات التي تعاني من شح المياه، ورغم أن المجتمعات نفسها تحتاج أيضا إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان، فإن المنظمة التزمت برسالتها ولم تتوسع في هذه المجالات، إدراكا منها أن التركيز على قضية واحدة يمكّنها من تعظيم أثرها، وتوجيه مواردها بكفاءة، وقياس نتائجها بدقة، وهو ما جعلها واحدة من أبرز المنظمات غير الربحية عالميا في مجالها.

وفي المقابل، توجد رسائل تبدو جذابة من الناحية اللغوية، لكنها تفتقر إلى المقومات الإدارية التي تجعلها قابلة للتطبيق، مثل: “نسعى إلى خدمة المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة والريادة في جميع المجالات.” فعلى الرغم من جمال هذه العبارة، إلا أنها لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تحسمها الرسالة؛ فهي لا تحدد بوضوح من هو المستفيد المستهدف، ولا القضية التي وجدت المنظمة لمعالجتها، ولا القيمة التي تقدمها، ولا الحدود التي تعمل ضمنها. ونتيجة لذلك، تصبح المنظمة عرضة للتوسع غير المنضبط، فتتوزع جهودها بين التعليم، والصحة، والإسكان، والبيئة، والتدريب، والإغاثة، والتمكين الاقتصادي، دون وجود خيط استراتيجي يربط هذه الخدمات بهدف واحد أو أثر محدد.

ومع تعاقب الخطط، يتحول هذا الاتساع إلى عبء إداري واستراتيجي؛ إذ تتشتت الموارد البشرية والمالية، وتتعدد الأولويات، ويصعب بناء خبرة مؤسسية عميقة في أي مجال، كما يصبح قياس الأثر الحقيقي أكثر تعقيدا. وقد تناولت الأدبيات الإدارية هذه الظاهرة بمصطلح “انحراف الرسالة” (Mission Drift)، ويقصد به ابتعاد المنظمة تدريجيا عن غايتها الأساسية نتيجة الاستجابة لفرص التمويل أو الضغوط الخارجية أو الرغبة في التوسع غير المدروس. وتعد هذه الظاهرة، وفقا لأدبيات إدارة المنظمات غير الربحية، من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى ضعف الأداء المؤسسي، وتراجُع الأثر المجتمعي، وانخفاض ثقة الممولين وأصحاب المصلحة، لأنها تذيب المنظمة هويتها وتفقدها تميزها الذي قامت عليه.

وخلال عملي الاستشاري مع عدد من المنظمات غير الربحية، لاحظت أن أول مؤشرات هذه الظاهرة لا تظهر في وثيقة الرسالة نفسها، وإنما في الممارسات اليومية للمنظمة. فمع استمرار التوسع، تصبح الخطط الاستراتيجية مليئة بالأهداف، والخطط التشغيلية مزدحمة بالمبادرات، دون وجود رابط واضح يجمعها في اتجاه واحد. وعند سؤال أعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية أو العاملين عن الغاية الجوهرية للمنظمة، تتباين الإجابات، في حين يفترض أن تكون موحدة ومنطلقة من رسالة واحدة. كما يتحول الاهتمام تدريجيا إلى قياس عدد الأنشطة المنفذة أو أعداد المستفيدين، بدلا من قياس حجم التغيير الذي أحدثته المنظمة في القضية التي أنشئت لمعالجتها. وعند هذه المرحلة، تفقد الرسالة وظيفتها بوصفها مرجعا لاتخاذ القرار، وتتحول إلى نص مذكور في الوثائق الرسمية، دون أن ينعكس أثره على الأولويات أو تخصيص الموارد أو تصميم البرامج.

ومن هنا، فإن جودة الرسالة لا تقاس بعدد الكلمات أو بلاغة الألفاظ، وإنما بقدرتها على توجيه القرار وصناعة الأولويات. فالرسالة الناجحة هي التي يحتكم إليها مجلس الإدارة عند اعتماد التوجهات الاستراتيجية، وتستند إليها الإدارة التنفيذية عند تصميم البرامج، ويستحضرها الموظفون والمتطوعون عند تنفيذ المبادرات، وتُبنى عليها الشراكات، وتُوجَّه من خلالها الموارد، وتقاس في ضوئها النتائج والأثر. وكلما أصبحت الرسالة مرجعًا عمليًا لاتخاذ القرار، ازدادت قدرة المنظمة على الحفاظ على تركيزها، وتعزيز استدامتها، وتحقيق أثر مجتمعي عميق يمكن قياسه وتقييمه، وعندما تستطيع المنظمة أن تجيب، في كل قرار تتخذه، عن السؤال ذاته الذي بدأت به: “ما القضية التي وجدنا لمعالجتها؟”، فإنها تكون قد وضعت رسالتها في مكانها الصحيح: بوصلةً تقود العمل، لا عبارةً تزين الوثائق.
…………

#المنظمات_غير_الربحية #الرسالة #الرؤية #القيم


اكتشاف المزيد من خالد الشريعة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع

ابدأ مدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑