كيف تضع المنظمات غير الربحية أهدافها؟
قصة تبدأ بسؤال بسيط:
في اجتماع صغير لمجلس إدارة منظمة خيرية غير ربحية، عمرها ثلاث سنوات، سأل رئيس مجلس الإدارة أعضاء المجلس: (ماذا نريد أن نحقق في السنوات القادمة؟)
- قال أحدهم: (نساعد أكبر عدد من الناس).
- قال آخر: (نريد القضاء على الجوع في حينا).
- وسأل ثالث: (هل السلال الغذائية التي نوزعها هي الحل الصحيح أصلا؟)
هذا الموقف يتكرر في كثير من المنظمات: الكل يريد الخير، لكن لا أحد يعرف بالضبط ماذا يعني (النجاح) ولا كيف يقاس.. النية الطيبة وحدها لا تكفي، لا بد من خطة واضحة..
أولا: افهم المشكلة قبل أن تضع الهدف
لا تسأل (ماذا نريد أن نفعل؟)، بل اسأل: (ما المشكلة الحقيقية التي نحلها؟)، ففي المثال السابق، لو تحدثوا مع الأسر المستفيدة، لاكتشفوا أن النساء والأمهات يعانين من قلة فرص العمل أكثر من نقص الطعام نفسه… هذا الفهم غيّر كل شيء.
فقبل وضع أي هدف، عليك أن تسأل نفسك:
- من هم الناس الذين نريد مساعدتهم فعلا؟
- ما الذي يعانون منه بالضبط؟
- هل جربنا أن نسمع منهم مباشرة، أم نفترض ما يحتاجونه؟
ثانيا: لا تخلط بين ثلاثة أشياء مختلفة
كثير من المنظمات تخلط بين:
سبب وجودنا: لماذا أسسنا هذه المنظمة أصلًا؟ مثال: (نساعد الأسر الفقيرة على تأمين طعامها).
الحلم البعيد: كيف نتخيل النجاح الكامل بعد سنوات طويلة؟ مثال: (حارة خالية من الجوع).
الهدف القريب: ماذا سنحقق تحديدا خلال السنوات القليلة القادمة؟ هنا يبدأ العمل الفعلي.
المشكلة أن كثيرا من المنظمات تكتفي بالإجابة على السؤالين الأول والثاني، وتظن أنها وضعت أهدافا، بينما هي في الحقيقة لم تحدد بعد ماذا ستفعل هذا العام أو العام القادم..
ثالثًا: اجعل هدفك واضحا يمكن قياسه
الهدف الجيد يجيب عن خمسة أسئلة:
1. ماذا بالضبط؟: ليس (مساعدة الناس) بل (تدريب الأمهات على مهنة)
2. كم؟ عدد محدد، مثل ٥٠٠ أسرة
3. هل يمكن تنفيذه فعلا بالموارد المتاحة؟
4. هل له علاقة برسالة المنظمة؟
5. متى ننجزه؟ (مثل: خلال سنتين)
قارن بين هذين الهدفين:
هدف فضفاض: (نريد مساعدة أكبر عدد ممكن من الناس).
هدف محدد: (خفض نسبة الجوع الشديد بين ٥٠٠ أسرة في الحي بمقدار الثلث خلال سنتين، عبر توزيع الطعام وتدريب الأمهات على مهنة تدر لهن دخلا).
الفرق واضح: ففي الثاني تعرف متى (نجحت) فيه ومتى (لم تنجح).
رابعا: تذكر من الذي يستفيد أكثر من غيره؟
عند وضع الهدف، اطرح السؤال التالي: هل يصل هذا العمل إلى الأفراد الأشد حاجة، أم فقط إلى من يسهل الوصول إليهم؟ أحيانا تركز المنظمات على الأسهل تحقيقا وتنسى الأصعب وصولا، وهو من يستحق المساعدة أكثر.
وحدد أيضا: من المسؤول عن كل جزء في الهدف؟ فالهدف بلا مسؤول واضح يبقى حبرا على ورق..

خامسا: قم بتجزئة الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة
الهدف البعيد وحده لا يكفي، تحتاج هنا إلى ثلاثة مستويات:
1. هدف كبير: يمتد لعدة سنوات (مثل: خفض الجوع بالثلث خلال ثلاث سنوات)
2. هدف سنوي: هنا.. نجزئ الهدف الكبير إلى ما سننجزه هذه السنة.
3. أرقام نتابعها كل شهر: لمعرفة هل نحن على الطريق الصحيح أم لا.
كثيرة من #الخطط الجميلة تفشل لأنها تبقى في المستوى الأول فقط، ولا تتحول إلى مهام يومية وأسبوعية.
هنا.. القصة تنتهي بشكل مختلف
بعد ستة أشهر، عاد مجلس إدارة المنظمة غير الربحية للاجتماع، لكن هذه المرة بأرقام حقيقية: عدد الأمهات اللواتي دخلن برنامج التدريب، نسبة الأسر التي تحسّن وضعها الغذائي، عدد من حصلن على عمل.
الأرقام لم تكن مثالية، لكنها كانت صادقة وقابلة للنقاش.
هذا هو الفرق بين منظمة تعمل بحماس فقط، ومنظمة تعمل بخطة: الأولى تقيس نواياها الطيبة، والثانية تقيس أثرها الحقيقي في حياة الناس.
في النهاية، فإن وضع الأهداف ليس عملا إداريا مجردا، بل هو الجسر الذي يحوّل الرغبة الصادقة في المساعدة إلى تغيير فعلي يمكن رؤيته وقياسه.
اكتشاف المزيد من خالد الشريعة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع