رحلة.. من الحلم إلى الأزمة
البداية... حين كانت الإدارة حلما لا عبئا
تخيل معي مشهدا مألوفا: مجموعة من الشباب المتحمسين، جمعتهم قضية واحدة، ووثيقة تأسيس بالكاد جفّ حبرها، ومكتب صغير مستأجر، وحماس يفوق الوصف… في تلك اللحظة، لم تكن الإدارة عبئا على أحد؛ كانت روح المشروع ونبضه. كل قرار يتم اتخاذه بسرعة، وكل مشكلة تجد حلها حول طاولة واحدة، والجميع يعرف الجميع.
لكن هذه اللحظة الذهبية لا تدوم.. فمع أول نجاح، يأتي أول تحدٍّ حقيقي: كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا؟
هنا بالضبط تبدأ حكايتنا؛ حكاية كيف تتحول الإدارة، شيئا فشيئا، من أداة تخدم الرسالة إلى عقبة تقف في طريقها، وسأرويها لك كما تحدث فعليا، مرحلة بعد مرحلة، وكأننا نتابع منظمة واحدة تكبر أمام أعيننا.
المرحلة الأولى – اتجاه مجهول
بعد سنة أو سنتين من التأسيس، يجد المدير التنفيذي نفسه غارقا في العمل اليومي، يطفئ حريقا هنا ويستقبل وفدا هناك، دون أن يسأل نفسه: إلى أين نتجه؟
هذه هي اللحظة التي تبدأ فيها المشكلة الأولى بالتسلل: غياب التخطيط الاستراتيجي. فالمنظمة تعمل بردود الأفعال، لا بالرؤية، وكل مشروع يُقبل لأن التمويل متاح، لا لأنه يخدم هدفا أكبر، وحتى لو توفرت خطة استراتيجية موثقة في درج مكتب المدير، فإنها غالبا لا تتجاوز كونها (أوراق جميلة) لم تترجم يوما إلى خطط تشغيلية وميزانيات ومؤشرات فعلية.
والأخطر من ذلك أن هذه الخطة، إن وجدت، لا تراجَع، تبقى حبيسة تاريخ كتابتها، بينما العالم من حولها يتغيّر لحظة بعد لحظة: احتياجات المستفيدين تتبدل، مصادر التمويل تتحول، والتشريعات تتطور. والنتيجة؟ منظمة تسير بخريطة قديمة في أرض جديدة تماما.
المرحلة الثانية – الفوضى المنظمة
مع نمو المنظمة وتوسعها، يزداد عدد المشاريع والموظفين والمستفيدين، وتبدأ الحاجة الملحّة لأنظمة تضبط الإيقاع، لكن ماذا يحدث غالبا؟
يستمر الاعتماد على (الاجتهاد الشخصي) بدل السياسات المكتوبة، فيصبح أداء المنظمة رهينا بمزاج الأشخاص لا بقوة الأنظمة ومتانتها… فلا أحد يقيس الأثر الحقيقي؛ الجميع مشغول بعدّ الأنشطة: كم دورة نُظّمت، كم مستفيدا حضر، دون أن يسأل أحد: هل تغيّرت حياة هؤلاء المستفيدين فعلا؟
وحين تأتي فرصة الحصول على شهادة جودة أو اعتماد مؤسسي، تتحول العملية إلى (استعراض) مؤقت، يتم التجهيز له قبيل الزيارة التفتيشية أو المراجعة، ثم يُنسى بمجرد رحيل المراجع أو المدقق، فالجودة هنا ليست ثقافة راسخة، بل قناع نرتديه عند الحاجة.
المرحلة الثالثة – القلق المالي الدائم
الآن، وقد كبرت المنظمة، سيكبر معها احتياجها المالي، نعم، هنا تظهر واحدة من أخطر المشكلات: الاعتماد على مصادر تمويل محدودة. جهة مانحة كبرى، أو حدث سنوي وحيد، يحمل على كتفيه مصير المنظمة بأكملها.
فإذا تأخر ذلك الداعم، أو تغيرت أولوياته، أو انسحب فجأة، تدخل المنظمة في حالة طوارئ حقيقية: تسريح موظفين، تجميد برامج، وربما إغلاق كامل، والسبب لا يعود لضعف في رسالة المنظمة، بل في غياب استراتيجية واضحة لتنويع الموارد، لم يُستثمر في بناء شراكات متعددة، أو أنشطة مدرّة للدخل، أو حتى أوقاف تضمن استمرارية الحد الأدنى.
وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف الشفافية المالية في التقارير، فإننا سنحصل على وصفة مثالية لفقدان ثقة المانحين… وثقة المستفيدين أيضا.
المرحلة الرابعة – نزيف الكفاءات
في خضم كل هذا، ماذا عن الناس الذين يديرون العمل يوميا؟ هنا تتكشف واحدة من أكثر المشكلات إيلاما: دوران الموظفين المرتفع. كفاءات تنضم بحماس، ثم تغادر بعد أشهر، لضعف الأنظمة التحفيزية أو غياب أي مسار وظيفي واضح يمنحها أفقا للنمو.
وفي محاولة لسد الفجوة، تلجأ المنظمة إلى التوسع في الاعتماد على المتطوعين، لكن دون هيكلة حقيقية: لا تدريب كافٍ، ولا تقييم، ولا وضوح في الأدوار، فيتحول التطوع من طاقة داعمة إلى مصدر إرباك إضافي.
والأخطر من كل ذلك: بروز ما يمكن تسميته (ثقافة الشخص الذي لا يُستبدل) موظف واحد يحمل في رأسه كل المعرفة المؤسسية وكل العلاقات وكل كلمات المرور تقريبا، فتصبح المنظمة بأكملها رهينة استمراره… وإن غادر فجأة، يشل العمل تماما.
المرحلة الخامسة – العمى الرقمي
بينما تنشغل المنظمة بأزماتها اليومية، يتراكم إهمال آخر بصمت: غياب البنية الرقمية. لا تزال الملفات ورقية أو متناثرة في جداول إكسل غير مترابطة، ولا يوجد نظام موحد لإدارة بيانات المتبرعين أو المستفيدين، فالقرارات تُتخذ بالحدس لا بالبيانات.
والأسوأ، أن بيانات المستفيدين الحساسة – التي قد تشمل معلومات شخصية دقيقة عن أُسر محتاجة أو حالات إنسانية هشة – تبقى دون حماية كافية، مما يعرض المنظمة لمخاطر أخلاقية وقانونية جسيمة لا يفكر فيها أحد حتى تقع الكارثة.
المرحلة السادسة – الثقب المالي
الآن، وقد اجتمعت كل هذه العوامل، يصل الخلل إلى قلب المنظمة: الموارد المالية. فغياب الفصل الواضح بين من يطلب الصرف، ومن يوافق عليه، ومن ينفّذه، يفتح الباب أمام أخطاء – أو تجاوزات – قد لا نكتشفها إلا بعد فوات الأوان.
والميزانية، بدل أن تكون انعكاسا للخطة الاستراتيجية وأولوياتها، تصبح انعكاسا (للفرص المتاحة): نصرف على ما تم تمويله، لا على ما هو أهم فعلا… ومع الوقت، ترتفع النفقات الإدارية على حساب البرامج الفعلية الموجهة للمستفيدين، وهو أمر لا يفوت على أعين المانحين والداعمين المتمرسين ولا على الجهات الرقابية..
المرحلة السابعة – الصوت المفقود
ورغم كل هذا العمل – الحقيقي رغم كل عيوبه – يبقى سؤال محيّر: لماذا لا يعرف المجتمع عن هذه المنظمة شيئا؟ لأن بناء الهوية المؤسسية والتواصل الفعّال لم يكن يوما أولوية لدى قيادة المنظمة، فالرسائل غير واضحة، القصص لا تُروى، والأثر الحقيقي – إن وجد – يبقى حبيس التقارير الداخلية.
وحتى حينما ينجز مشروع بنجاح، ينتهي التواصل مع المستفيدين والمانحين بانتهائه مباشرة، وكأن العلاقة كانت معاملة تجارية لا رسالة إنسانية مستمرة.
المرحلة الثامنة – صراع الصلاحيات
في هذه المرحلة المتقدمة، تبدأ الأزمة الأخطر بالظهور على السطح: تداخل الأدوار بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية. فإما أن يتدخل المجلس في أدق التفاصيل التشغيلية، يصادر صلاحيات المدير التنفيذي ويربك فريق العمل، أو أن ينسحب كليا عن دوره الرقابي، تاركا الإدارة التنفيذية دون توجيه أو مساءلة حقيقية.
والهيكل التنظيمي نفسه، الذي كان يوما بسيطا وواضحا، أصبح الآن إما متضخما بمناصب لا حاجة لها، أو مليئا بفراغات لا يعرف أحد من يملأها، والنتيجة هي: ازدواجية في المهام، وغياب تام لآليات المساءلة – فلا أحد تتم مساءلته حقا عن التقصير أو التأخير.
اللحظة الحاسمة – موت الرسالة
والآن، وصلنا إلى قلب الحكاية، إلى اللحظة التي تكشف حقيقة كل ما سبق: المستفيد.
تخيّل إحدى الأمهات تنتظر دورها للحصول على خدمة، أو طالبا يبحث عن منحة، أو مريضا يحتاج دعما عاجلا! هذا الإنسان لا يعرف شيئا عن الاجتماعات الداخلية أو التقارير أو صراع الصلاحيات، كل ما يعرفه هو: هل تمت الموافقة على طلبه بسرعة؟ هل عومل بكرامة؟ هل تابعت المنظمة معه بعد انتهاء الخدمة؟
وهنا يكمن أخطر مؤشر على أن الإدارة قد تحوّلت فعلا إلى مشكلة: حين تنشغل المنظمة بنفسها – أي ببقائها، وبتمويلها، وبصورتها – أكثر من انشغالها بمن أُنشئت لأجلهم. كل تلك السياسات واللوائح والاجتماعات والتقارير التي بدت وكأنها (إدارة جيدة) على الورق، تتحول إلى جدار بيروقراطي يفصل المستفيد عن الخدمة التي يستحقها.
وماذا بعد؟
إن رحلتنا هذه في أعماق إدارة المنظمات غير الربحية، لا تكتمل دون الإشارة إلى ثلاثة عناصر خفية، غالبا ما نهملها حتى تنفجر في وجه المنظمة:
إدارة المخاطر: منظمة بلا خطة طوارئ – مالية أو تشغيلية أو حتى لإدارة سمعتها – أشبه بسفينة بلا قوارب نجاة، تبدو آمنة في الطقس الهادئ، لكنها تغرق عند أول عاصفة.
الامتثال القانوني: التقيّد بالأنظمة واللوائح الناظمة للقطاع غير الربحي ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن استمرارية الترخيص والثقة المجتمعية.
قياس الأثر الاجتماعي: فالفرق الحقيقي ليس بين (ماذا فعلنا؟ وماذا سنفعل؟)، بل بين (ماذا فعلنا وماذا تغيّر فعلا) في حياة من نخدمهم. وهذا السؤال، للأسف، أقل الأسئلة طرحا في اجتماعات مجالس الإدارة.
الالتزام: فالوعود التي تُقطع في لحظة الحماس – لمانح وثق بالمنظمة، لموظف صدّق رسالتها، لمستفيد عوّل عليها – لا قيمة لها إن لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي… الالتزام هو الوفاء المتكرر، اليوم بعد الآخر، حتى حين يغيب الضوء الإعلامي ويقل الحماس… وأكثر ما يكشف غياب هذا الالتزام هو تلك اللحظة الصامتة حين تنسحب المنظمة بهدوء من وعد قطعته، فلا أحد يلاحظ… إلا من انتظر ذلك الوعد طويلا.
عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
إذا تتبعنا هذه الرحلة من بدايتها إلى نهايتها، نصل إلى حقيقة واحدة جامعة: الإدارة تصبح مشكلة في اللحظة التي تتحول فيها من وسيلة لخدمة الرسالة إلى غاية في ذاتها.
حين تُقاس المنظمة بحجم أنشطتها، وضخامة ميزانيتها، وعدد موظفيها ومكاتبها، بدل أن تُقاس بالأثر الحقيقي المستدام في حياة من تخدمهم (عندها، وعندها فقط) تكون الإدارة قد خانت الغاية التي وُجدت من أجلها.
لحظة من فضلك!! بقي شيء مهم!!
الخبر الجيد في نهاية هذه الرحلة؟ كل مرحلة من هذه المراحل قابلة للتصحيح، بشرط واحد: أن تعود المنظمة، بجرأة وصدق، لتسأل نفسها السؤال الذي بدأت به: لماذا أنشئت منذ البداية أصلا؟
اكتشاف المزيد من خالد الشريعة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع