ما المطلوب من المدير التنفيذي للمنظمة غير الربحية؟
عشرة أمور نريدها منك: رسالة مجلس الإدارة إلى المدير التنفيذي
قبل أن نبدأ
اجلس معنا قليلا!!
لن نتحدث اليوم عن نماذج التخطيط الاستراتيجي، ولا عن بطاقات الأداء المتوازن، ولا عن الأدبيات الإدارية، كل هذا مهم في وقته وظرفه، وقد بنينا عليه ما سنقوله لك، لكننا لا نريدك أن تخرج من هذا اللقاء محملا بمصطلحات ومفاهيم ومطالب متباينة، نريدك أن تخرج بشيء واحد واضح: ماذا نتوقع منك، ولماذا، وكيف سنعرف أنك حققته.
نحن كمجلس إدارة لا نراقبك من فوق، ولا نجلس في برج بعيد عن الميدان الذي تعمل فيه يوميا. فنحن محاسبون أيضا: أمام المتبرعين، أمام الجهات الرقابية، وأمام أهم طرف على الإطلاق وهم (المستفيدين) الذين وجدت هذه المنظمة من أجلهم! وحين نضع أمامك هذه المؤشرات العشرة، فإننا لا نضعها لنملأ استمارة تقييم سنوية، بل لأننا فعلا نريد أن ننام ونحن مطمئنين أن هذه المنظمة تسير في الاتجاه الصحيح بين يديك، وإليك صديقي المدير التنفيذي ما نريده منك، بالترتيب الذي يهمنا فعلا.
أولا – الأثر الحقيقي أولا:
فالأنشطة لا تعنينا في المقام الأول – وقد وضعنا لهذا المؤشر وزنا وقيمته (18%) من باقي المؤشرات
لا تخبرنا كم نشاطا نفّذت هذا العام، أخبرنا: ماذا تغير فعلا في حياة من نخدمهم؟
هذا هو المؤشر الأثقل وزنا والحكم فيما بيننا، وليس هذا اعتباطا، نحن لا نريد تقارير مليئة بالأرقام عن (عدد المستفيدين) و(عدد الورش) إن لم تكن مصحوبة بدليل حقيقي على أن حياة الناس تحسّنت، نريدك أن تبني لكل برنامج قصة واضحة: ماذا فعلنا، ولماذا نتوقع أن ينتج هذا الفعل فرقا، وكيف سنتحقق أن الفرق حدث فعلا، ولا تتردد من إخبارنا إن أحد البرامج لا يحقق الأثر المرجو، حتى لو كان يحظى بشعبية أو تمويل مستمر، نحن نثق بشجاعتك في قول ذلك أكثر مما نثق بجداول الأنشطة المجملة بالأرقام المصورة.
ثانيا – لا تجعلنا رهينة مانح واحد أو داعم فريد:
وهذه النتيجة مهمة بالنسبة لنا كثيرا، وقد وضعنا لمؤشرها وزنا قيمته (14%)..
نريد أن نعرف: لو توقف أكبر ممول لدينا غدا عن الدعم، هل تبقى هذه المنظمة قائمة؟
هذا سؤال وجودي بامتياز، لا مجرد تفصيل من تفاصيل الأداء أو التنظيم المالي، نتوقع منك أن تبني قاعدة تمويل متنوعة، وأن تحدد نسبة قصوى واضحة لا يتجاوزها أي مانح واحد من إجمالي ميزانيتنا، ونتوقع منك أيضا أن تبحث بجدية عن مصادر دخل ذاتية، وأن تبني احتياطيا ماليا حقيقيا يحمينا من الصدمات المفاجئة، لا أن نفاجأ نحن بالأزمة بعد وقوعها.
ثالثا – استمع إلى من نخدمهم
أرنا أنك استمعت لهم، وقد وضعنا لهذا المؤشر وزنا نسبيا قيمته (12%) من إجمالي الأوزان.
لا يكفي أن تجمع استبيانات رضا آخر العام، إننا نريد أن نرى أثر هذا الاستماع في قراراتك.
حين يشتكي المستفيدون من شيء، نريد أن نعرف ماذا فعلت حياله، لا فقط أن تدرجه في تقرير، أو تضعه على هامش الأولويات، أشركهم في تصميم البرامج من البداية، لا في تقييمها فقط بعد الانتهاء، إن الثقة التي نمنحها لك مبنية على ثقتهم بك، وليس العكس.
رابعا – الحوكمة
فالحوكمة ليست عبئا نفرضه عليك، بل درعا نحميك به، ووضعنا لها وزنا نسبيا قيمته (11%) من إجمالي الأوزان.
قد يبدو هذا المؤشر أقل جاذبية من الأثر أو التمويل، لكن لا تستهن به أبدًا.
نريد فصلا واضحا بين ما تقرره أنت وما نقرره نحن، وتقارير مالية شفافة تصلنا بانتظام دون أن نطلبها، نريدك أن ترحّب بالتدقيق الخارجي لا أن تتحسّب منه، سواء في الجانب المالي أو الإداري أو الفني، نحن صادقون حين نقول: يوم واحد من غياب الشفافية قد يهدم سمعة بنيناها معا على مدى سنوات، وحين تحدث أزمة ثقة، لن ينقذنا حينها أي إنجاز برامجي مهما كان كبيرا.
خامسا – كفاءة الصرف والإنفاق:
كل ريال يهدر إداريا هو ريال يُسرق من رسالتنا، ولأهمية هذا المؤشر، وضعنا له وزنا نسبيا قيمته (10%) من إجمالي الأوزان.
راقب نسبة ما يذهب للبرامج مقابل ما يذهب للإدارة، لكن لا تكن مهووسا بتخفيضها إلى الصفر – فهذا وهمٌ خطير وحلم مستحيل. فالمنظمة التي تنفق القليل جدا على نفسها الإدارية غالبا منظمة تستنزف فريقها وبنيتها التحتية بصمت، وستدفع الثمن لاحقا، ما نريده منك هو التوازن الذكي: راجع الموازنة كل ثلاثة أشهر لا كل سنة، وابحث دوما عن الهدر الحقيقي، لا عن أرقام تبدو جميلة في العرض التقديمي فقط.
سادسا – لا تتسوّل التمويل:
كوّن شراكات دائمة مع الداعمين والمانحين، وهذا المؤشر أعطيناه وزنا نسبيا قيمته (9%) من إجمالي الأوزان.
نحن لا نريدك أن تطارد المانحين وقت الحاجة فقط، نريدك أن تبني معهم علاقة حقيقية مستمرة.
اسأل نفسك دوما: ماذا يستفيد هذا الممول من علاقته بنا، لا فقط ماذا نستفيد نحن منه؟ حين تفكر بهذه الطريقة، ستجد أن تجديد الشراكات القائمة يصبح أسهل بكثير من ملاحقة شراكات جديدة باستمرار، وهذا استثمار وقتك الأذكى.
سابعا – فر يقك ليس موردا:
فريق العمل لديك هو الأصل الحقيقي لهذه المنظمة، ولأهميته أعطيناه وزنا نسبيا قيمته (8%) من إجمالي الأوزان.
نعرف أن العمل الخيري يستنزف كثيرا، ونعرف أن الرواتب لدينا ليست الأعلى في السوق، لهذا بالذات، نريدك أن تكون أكثر جدية بشأن هذا المؤشر لا أقل.
اصنع لموظفيك مسارا يشعرون فيه بالنمو، حتى لو كانت المنظمة صغيرة، لا تفترض أن الحماس تجاه رسالتنا كاف لإبقائهم؛ الإرهاق الصامت يسبق الاستقالة المفاجئة دوما، اسألهم بصدق كيف حالهم، قبل أن يخبرك معدل الدوران الوظيفي بالجواب بطريقة مؤلمة.
ثامنا – توقع الأزمات:
توقع حدوث الأزمات قبل وقوعها لا بعد حدوثها، وأعطينا لهذا المؤشر وزنا نسبيا قيمته (7%) من إجمالي الأوزان.
لا نريد منك خطة إدارة مخاطر تكتب مرة واحدة وتنسى في أحد الأدراج دون تحديث ومراجعة دورية لا تقل عن مرتين في السنة.
راجعها معنا دوريا. اسألنا: ماذا لو فقدنا مقرنا؟ ماذا لو تعرضنا لأزمة سمعة؟ ماذا لو استقال ثلاثة من فريقك الأساسي دفعة واحدة؟ الاستعداد الهادئ اليوم أرخص بكثير من الارتجال في وسط أزمة غدا وقد تغيب عنا أذهاننا وقتئذ الحلول الأجدى والأصوب والأسلم.
تاسعا – لا تخشَ التجارب:
كن شجاعا، وابدأ رحلة التجربة والتطوير، وأعطينا هذا المؤشر وزنا نسبيا قيمته (6%) من إجمالي الأوزان.
نعرف أن الموارد محدودة دوما في عملنا، لكن التوقف عن التطوير هو أخطر أنواع الهدر على المدى الطويل.
خصص، ولو جزءا صغيرا من وقتك وميزانيتك، للتجريب: أدوات جديدة، طرق عمل مختلفة، تقنيات تحسّن كفاءتنا وشفافيتنا معا. لا تنتظر أزمة تفرض عليك التغيير قسرا في وقت قد لا يكون مناسبا.
عاشرا – كن صادقا دائما:
لا تتخل عن الصدق في حضورك، ولا تكن مجملا للواقع إن لم يكون جميلا، ولهذا المؤشر خصصنا وزنا نسبيا قيمته (5%)
تحدث معنا، وحدّث الجمهور، عن نجاحاتنا وتحدياتنا معا، الناس اليوم يثقون بالصدق المؤسسي أكثر بكثير من الصورة المثالية المصطنعة.
لا تقس نجاح تواصلك بانطباعك الشخصي، بل بأرقام حقيقية: من الذي تفاعل، من الذي تحوّل من متابع إلى داعم فعلي، فالحضور الصادق يبني سمعة تدوم، والحضور الدعائي ينهار عند أول اختبار حقيقي.
كلمة أخيرة، تعبر عن موقف وليست كملاحظة إدارية
نعرف أن هذه القائمة قد تبدو طويلة، وقد تشعر أحيانا أن كل بند فيها يتنافس مع الآخر على وقتك المحدود، لكن دعنا نقول لك شيئا مهما: نحن لا نتوقع الكمال في كل بند دفعة واحدة، إننا نتوقع منك أن تعرف أين موقعنا الحقيقي في كل مؤشر، وأن تكون صريحا معنا حين يتراجع أحدها، وأن تظهر لنا أنك تتحرك بجدية نحو تحسينه.
ما لن نقبله هو المفاجآت… نعم المفاجأة مرفوضة تماما، لا نريد أن نكتشف أزمة مالية في اجتماع مجلس الإدارة قبل أن نسمع عنها منك، لا نريد أن نقرأ عن مشكلة حوكمة في الفضاء الإعلامي قبل أن تخبرنا أنت بها، فالثقة التي نمنحها لك هي أثمن ما نملك، وهي أيضا أثمن ما تحتاجه أن لتقود هذه المنظمة بحرية واستقلالية حقيقية.
هذه المؤشرات العشرة ليست قيدا نضعه عليك، بل هي التزام متبادل بيننا وبينك تجاه من نخدمهم فعلا. نحن نثق بك لتقودها وأنت، نأمل أن تثق بنا لندعمك حين تحتاج.
……

اكتشاف المزيد من خالد الشريعة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انشر رأيك أو تعليقك حول هذا الموضوع